الغزالي
183
إحياء علوم الدين
وهو دخل في الدين ، ووليجة في طريق المؤمنين . ومن لا يقدر من نفسه على هذا فالانقطاع والعزلة أولى به من المؤاخاة والمصاحبة فإن حق الصحبة ثقيل لا يطيقه إلا محقق . فلا جرم أجره جزيل لا يناله إلا موفق . ولذلك قال عليه السلام [ 1 ] « أبا هرّ أحسن مجاورة من جاورك تكن مسلما وأحسن مصاحبة من صاحبك تكن مؤمنا » فانظر كيف جعل الإيمان جزاء الصحبة ، والإسلام جزاء الجوار . فالفرق بين فضل الإيمان وفضل الإسلام ، على حد الفرق بين المشقة في القيام بحق الجوار والقيام بحق الصحبة فإن الصحبة تقتضي حقوقا كثيرة ، في أحوال متقاربة مترادفة على الدوام ، والجوار لا يقتضي إلا حقوقا قريبة ، في أوقات متباعدة لا تدوم ومن ذلك التعليم والنصيحة : فليس حاجة أخيك إلى العلم بأقل من حاجته إلى المال فإن كنت غنيا بالعلم فعليك مواساته من فضلك ، وإرشاده إلى كل ما ينفعه في الدين والدنيا فإن علمته وأرشدته ، ولم يعمل بمقتضى العلم ، فعليك النصيحة وذلك بأن تذكر آفات ذلك الفعل ، وفوائد تركه ، وتخوفه بما يكرهه في الدنيا والآخرة لينزجر عنه ، وتنبهه على عيوبه ، وتقبح القبيح في عينه ، وتحسن الحسن : ولكن ينبغي أن يكون ذلك في سر لا يطلع عليه أحد . فما كان على الملإ فهو توبيخ وفضيحة ، وما كان في السر فهو شفقة ونصيحة إذ قال صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] « المؤمن مرآة المؤمن » أي يرى منه ما لا يرى من نفسه فيستفيد المرء بأخيه معرفة عيوب نفسه ولو انفرد لم يستفد . كما يستفيد بالمرآة الوقوف على عيوب صورته الظاهرة . وقال الشافعي رضي الله عنه . من وعظ أخاه سرا فقد نصحه وزانه ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه . وقيل لمسعر . أتحب من يخبرك بعيوبك ! فقال إن نصحني فيما بيني وبينه فنعم ، وان قرعني بين الملإ فلا وقد صدق فإن النصح على الملإ فضيحة والله تعالى يعاتب المؤمن يوم القيامة تحت كفه في ظل ستره ، فيوقفه على ذنوبه سرا .